محمد ابو زهره
550
خاتم النبيين ( ص )
قال أمية : قبحك اللّه ، وقبح ما جئت به - وتجهز ذلك الرجل ذو المكانة من غير حماسة ، ولكن خشية الملامة ، وأبو لهب الذي كان يخذل الوفود العربية في الحج عن متابعة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، امتنع عن أن يذهب إلى القتال بنفسه وأناب عنه العاصي بن هشام بن المغيرة في نظير تركه دينا له كان قد أفلس به ، فجعله في نظير خروجه . ولم يذهب طالب بن أبي طالب ، لأنه كما قال بعض القرشيين : كان هوى بني هاشم مع محمد الهاشمي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وكان خروج العباس ، وهو الهاشمي الأوّل غريبا لأنه كان يذهب مع النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عند لقائه مع الأوس والخزرج في العقبة الثانية ، ويطمئن على حمايتهم للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ويبين لهم أنه في منعة من قومه ، وأنهم إن لم يمنعوه ، فليتركوه في حماية قومه ، فما كان ليخرج ويقاتل جيش ابن أخيه . وهو يريد هزيمته ، بل خرج ليدرأ عن نفسه ملامة قريش الذي يعد من كبرائها ، وليكون له دائما السلطان فيهم ، ولا يكون فردا ما بينهم . وإنا نحسب أن أبا سفيان نفسه لم يكن مؤمنا بضرورة هذه الحرب بدليل رسالته التي أرسلها إلى قريش . ( د ) وإن قريشا في جملتها خافت من الحرب ، ذلك أنهم بعد أن فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير ، ذكروا ما كان بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب ، فخشوا أن يأتوهم من ورائهم ، وقال قائلهم إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا . ونراهم قد فزعوا من الحرب ، وظنوا أن ما وراءهم من عورات أكثر مما يستقبلهم من حروب ، فما كانوا مؤمنين بالحرب ، ولا معتزمين لها إلا ما كان ممن أعماهم الحقد والجهل والحسد - وهم أيضا كانوا يرهبون المؤمنين ، ويخافونهم ، وكان من بعضهم عندما التقى الجمعان أو أوشكا على اللقاء في وقت يثبط عن القتال ، وقد صار قاب قوسين أو أدنى ، ولعله كان يثبط لحقن الدماء ، وقد بدا من كلامه ما يدل على أنه يريد الرحم لا الحرب مع الاختلاف في العقيدة . روى ابن إسحاق بسنده ، أنه لما اطمأن القوم ( أي المشركون ) بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا : أحزروا لنا أصحاب محمد . فاستجال بفرسه حول العسكر ، ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا ، أو ينقصون ، ولكن أمهلونى حتى أنظر للقوم كمينا أو مددا فضرب في الوادي حتى أبعد ، فلم ير شيئا ، فقال : ما وجدت شيئا - ولكنه بين رهبة الموقف وأن العبرة ليست بالعدد ، ولكن بقوة النفس وإرادة الموت ، فقال مخاطبا الجيش ، وهو على أهبة القتال :